السيد الطباطبائي

120

تفسير الميزان

فتبين أن ما وقع في بعض التفاسير من حمل الأزلام على سهم التفأل واستنتاج حرمة الاستخارة بذلك مما لا ينبغي المصير إليه . وأما قوله : " رجس من عمل الشيطان " فالرجس الشئ القذر على ما ذكره الراغب في مفرداته فالرجاسة بالفتح كالنجاسة والقذارة هو الوصف الذي يبتعد ويتنزه عن الشئ بسببه لتنفر الطبع عنه . وكون هذه المعدودات من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا هو اشتمالها على وصف لا تستبيح الفطرة الانسانية الاقتراب منها لأجله ، وليس إلا أنها بحيث لا تشتمل على شئ مما فيه سعادة إنسانية أصلا سعادة يمكن أن تصفو وتتخلص في حين من الأحيان كما ربما أوما إليه قوله تعالى : " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " ( البقرة : 219 ) ، حيث غلب الاثم على النفع ولم يستثن . ولعله لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان ولم يشرك له أحدا ، ثم قال في الآية التالية : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " . وذلك أن الله سبحانه عرف الشيطان في كلامه بأنه عدو للانسان لا يريد به خيرا البتة قال تعالى : " إن الشيطان للانسان عدو مبين " ( يوسف : 5 ) ، وقال : كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله " ( الحج : 4 ) ، وقال : " وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ، لعنه الله " ( النساء : 118 ) ، فأثبت عليه لعنته وطرده عن كل خير . وذكر أن مساسه بالانسان وعمله فيه إنما هو بالتسويل والوسوسة والاغواء من جهة الالقاء في القلب كما قال تعالى حكاية عنه : " قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " ( الحجر : 42 ) ، فهددهم إبليس بالاغواء فقط ، ونفى الله سبحانه سلطانه إلا عن متبعيه الغاوين ، وحكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله : " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " ( إبراهيم : 22 ) ، وقال في نعت دعوته : " يا بني آدم لا يفتننكم